في كل مدينة مررت بها أو أقمت فيها بعضاً من الوقت كان لي مكتبة صغيرة في الحجم .. عميقة الحضور كنت دائمة المرور من أمام واجهة مكتبة م في طرطوس وغيرها من المكاتب لأسرة اخر الاصدارات الموجودة أو فقط ألقي نظرة سريعة ...
وفي مدينة القدموس كان لي مكتبة صغيرة جداً أمر عليها يومياً حتى وإن لم أرغب في الشراء كان يستهويني الدخول وتحسس الكتب الشعور بملمس الورق وكنت أميز جودة الورق الجيد وأرغب به أكثر ....
صاحب المكتبة في طرطوس رجل خمسيني يضع نظارات يرفعها كل حين إلى عينيه ويستقبلني ابتسامته المعهودة كنت في كل مرة اختار لنفسي اسم من إحدى بطلات رواياتي التي سوف اشتريها
وكان في كل صباح أذهب إليه يسألني صباح الخير ياصديقتي ما اسمك اليوم
طبعاً اول مرة قمت بها بذكر اسمي استغرب الأمر جداً وبعد حين أصبحت هذه لعبتنا الصغيرة
ذهبت إليه ذات صباح مع إحدى صديقاتي ... فردد الجملة المعتادة قلت له اليوم اسمي ايلينا فنكزتني صديقتي وقالت لي بهمس لماذا تكذبين على الرجل فضحك يومها ملء قلبه وكيانه وروحه
أصبحت علاقتي به ك علاقتي مع الكتب .. صداقة عميقة وروح جميلة
انتقلت الى مدينة أخرى وكونت صداقة جديدة مع مكتبة جديدة شعرت بنفسي أخون مكتبة " م " فهي أصبحت أكثر من منزل بل مكان ذو نكهة روحية ونسمة عليلة في مراحل حياتي
اعتدت المكتبة الجديدة اعتياد يتخلله الخوف فكنت قريبة بعيدة لا أسمح لنفسي بالتعلق بها
ذهبت مرة في زيارة إلى طرطوس وكان لا بد من زيارة العم جمال وأسررت له بما يجول بقلبي وعقلي ضحك حين و شعرت به تغص عينيه بدموع خجولة لم يكن غياب قارئة واحدة ما أثر به ... لكن كان كلام يخرج من قلبي لقلبه عانقته وتمنيت له الخير ووعدته بزيارة دائمة كل مرة أسافر بها إلى المدينة
أخبرني بالنهاية " كل مكتبة هي أنا لا تشعري بالحزن يا صغيرتي فروحي موجودة بين الكتب أينما كانت "
أحببت كلماته جداً وشعرت براحة كبيرة مستقبلا وشعرت بروحه في كل مكتبة اذهب إليها مما أسعدني كثيراً
اخر مرة زرت فيها طرطوس ... وجد المكتبة مغلقة نهائياً وعلى الحائط المجاور للمكتبة ... ورقة نعوة
" جمال سامي ماجدي "
لم أنبس ببنت شفة بكيت ساعات وساعات أمام باب المكتبة بنظرات دهشة من المارة ... ضحكت وبكيت معاً حين ذكرت كلماته
" نور يا صغيرتي روحي في كل مكان وفي كل مكتبة "